الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

57

تفسير روح البيان

الأعمال التي هي أركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان مشرفة بإخلاص بالجنان فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا اى فليس الموالي الذين فضلوا في الرزق على المماليك بِرَادِّي رِزْقِهِمْ اى بمعطى رزقهم الذي رزقهم إياه أصله رادين سقط النون للإضافة عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية فَهُمْ اى الملاك والمماليك فِيهِ في الرزق سَواءٌ في الفاء دلالة على ترتب التساوي على الرد اى لا يردون عليهم ردا مستتبعا للتساوي في التصرف والتشارك في التدبير وانما يردون عليهم منه شيأ يسيرا والحاصل انهم لا يجعلون ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم بحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لا نفسهم وهم أمثالهم في البشرية والمخلوقية فما بالهم كيف جعلوا مماليكه تعالى ومخلوقه شركاء له مع كمال علوه فأين التراب ورب الأرباب . وهذا كما ترى مثل ضرب لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم وكانوا يقولون في التلبية لبيك لا شريك لك الا شريك هولك أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ الفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في المعنى على الفعل والجحود الإنكار والباء لتضمينه معنى الكفر . والمعنى أبعد علمهم بان الرزاق هو اللّه تعالى يشركون به فيجحدون نعمته فان الإشراك يقتضى ان يضيفوا نعم اللّه الفائضة عليهم إلى شركائهم وينكروا كونها من عند اللّه تعالى فاللّه تعالى يدعو عباده بهذه الآية إلى التوحيد ونفى الشرك حتى . يتخلصوا من الشرك والظلمات ويتشرفوا بالتوحيد الخالص والأنوار العاليات * فعلى العبد الطاعة والسعي إلى تحصيل الرضوان والعرفان وانما الرزق على المولى الكريم المنان * ومن الكلمات التي نقلها كعب الأحبار عن التوراة « يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفي أكثر منه لا تطمع ومن أقل منه لا تجزع فان أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وان كنت لم ترض به وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البر ولا ينالك منها الا ما قسمته لك وكنت عندي مذموما * يا ابن آدم خلقت لك السماوات والأرضين . ولم اعى بخلقهن أيعييني رغيف اسوقه إليك من غير تعب . يا ابن آدم أنا لك محب فبحبي عليك كن لي محبا * يا ابن آدم لا تطالبنى برزق غد كمالا أطالبك بعمل غد فانى لم انس من عصاني فكيف من أطاعني » * واعلم أن عباد اللّه في باب الرزق على وجوه . منهم من جعل رزقه في الطلب فمن جعل رزقه في الطلب فعليه بكسب الحلال الطيب كعمل اليد مثلا . ومنهم من جعل رزقه في القناعة وهي في اللغة الرضى بالقسمة وفي اصطلاح أهل الحقيقة هي السكون عند عدم المألوفات . ومنهم من جعل رزقه في التوكل وهو الثقة بما عند اللّه واليأس مما في أيدي الناس . ومنهم من جعل رزقه في المشاهدة والمجاهدة كما قال صلى اللّه عليه وسلم ( أبيت عند ربى يعطعمنى ويسقيني ) وهو إشارة إلى المشاهدة وقال ( جعل رزقي تحت ظل رمحى ) وهو إشارة إلى المجاهدة فعلى العاقل المجاهدة والعبادة للّه تعالى حالصا لا لأجل تنعم النفس في الجنة والخلاص من النار فإنها معلولة والمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب ولذا قال في المثنوى هشت جنت هفت دوزخ پيش من * هست پيدا همچو بت پيش وثن « 1 »

--> ( 1 ) در أواخر دفتر يكم در بيان پرسيدن پيغمبر صلى اللّه عليه وسلم مر زيد را إلخ